الأربعاء، 21 سبتمبر 2011

الأمازيغية وتدبير التعدد الثقافي بالمغرب

تعد الأمازيغية مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية وتشكل عمق الهوية الوطنية للمغرب، وقد برز الوعي بالهوية الأمازيغية بشكل منظم من خلال ظهور الحركة الثقافية الأمازيغية في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد غياب الأمازيغية عند وضع أسس الدولة العصرية بعد الاستقلال.
هذه الحركة التي تنظمت في شكل جمعيات تعمل في إطار المجتمع المدني، وقامت بعملية متسلسلة ومتواصلة، ساهمت بشكل مهم في التعريف بالأمازيغية لغة وثقافة ومقوما أساسيا في الهوية الوطنية. هذه العملية المتواصلة تمثلت بالأساس في عقد لقاءات ثقافية وفكرية وإصدار مؤلفات تتناول الموضوع من مختلف جوانبه، والعمل كذلك على المستوى الإعلامي من خلال إصدار جرائد ومجلات لإيصال الخطاب الأمازيغي. هذا العمل المستمر للتعريف بالأمازيغية، عرف مجموعة من المحطات الرئيسية، رفعت خلالها الحركة مجموعة من المطالب الثقافية والسياسية خصوصا منذ صدور ميثاق أكادير للغة والثقافة الأمازيغيتين سنة 1991، تمثلت أساسا في الاعتراف بالتعددية الثقافية للمغرب من خلال دسترة الأمازيغية وإدماجها في التعليم والإعلام والحياة العامة. وباعتبار المؤسسة الملكية الضامن الأساسي للحفاظ على مختلف مقومات الأمة الحضارية، فقد أعلن جلالة الملك محمد السادس  في خطاب العرش لسنة 2001 على أن الأمازيغية مكون أساسي للهوية الوطنية للمغرب. وهي السنة نفسها جاء فيها تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بعد خطاب أجدير، هذه المبادرة الملكية التي أسهمت في فتح نقاش وطني حول الأمازيغية وكيفية تدبير التعددية الثقافية واللغوية التي يتميز بها المغرب.
واليوم وبعد تصاعد الخطاب الأمازيغي عبر العديد من الجمعيات والتنسيقيات الجهوية التي غطت مجموع التراب الوطني، وكذلك بروز تيارات جديدة داخل الحركة الأمازيغية، فقد أصبح من اللازم طرح الموضوع للنقاش العام بين مختلف مكونات المجتمع والفاعلين في الحقل السياسي والثقافي والمدني والأكاديمي، لإخراجه من داخل "أسوار" الحركة الأمازيغية، باعتباره شأنا يهم كل المغاربة، وعدم اعتباره بمثابة شأن خاص بالناشطين في الحركة من جهة وبفئات دون أخرى، فالأمازيغية ليست مسألة جهوية أو عرقية أو شأن الناطقين بها فقط، وإنما هي أمر يهم جميع المغاربة ويهم مستقبل البلاد.
من هذا المنطلق جاء تنظيم هذه الندوة الفكرية من طرف المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، من أجل الإسهام في النقاش الدائر حول المسألة الأمازيغية من موقعنا الأكاديمي بكل موضوعية وتجرد، وبعيدا عن مختلف المزايدات، من أجل المساهمة في حماية أحد المكونات الأساسية للشخصية المغربية، والحفاظ على توازنها الطبيعي في ظل سيطرة العولمة واكتساحها للثقافات الوطنية، وباعتبار النهوض بالأمازيغية مسؤولية وطنية.
كما أن ضرورة تدبير التعدد الثقافي يقتضي المعرفة العميقة بالمكونات الثقافية بالمغرب، حتى يكون هذا التدبير عقلانيا، سليما وسلميا. فإلى أي مدى كان التوجه العام للتدبير الثقافي في المغرب بعد الاستقلال يستحضر مفاهيم التعدد والاختلاف؟ وإلى أي حد ولد هذا التدبير ضعفا في الوعي بالمكون الأمازيغي في الثقافة الوطنية؟ هذه التساؤلات وأخرى من شأنها المساهمة في حوار وطني مفتوح  حول هذا المقوم الأساسي في الثقافة والهوية المغربية، والقطع مع مفاهيم الأحادية الثقافية التي لا تعترف بالتعدد والتنوع الذي يشكل مصدر قوة وغنى للهوية الوطنية للمغرب.

0 التعليقات:

إرسال تعليق